محمد هادي معرفة
519
التمهيد في علوم القرآن
هذا كلام يهزّ أعطاف السامعين ، وفيه من الفوائد ما أذكره ، وهو أنّه لمّا أراد إبراهيم عليه السّلام أن ينصح أباه ويعظه وينقذه ممّا كان متورّطا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل رتّب الكلام معه في أحسن نظام ، مع استعمال المجاملة واللطف ، والأدب الحميد ، والخلق الحسن ، مستنصحا في ذلك بنصيحة ربّه ، وذاك أنّه طلب منه أوّلا العلّة في خطيئته طلب منبّه على تماديه ، موقظ من غفلته ، لأنّ المعبود لو كان حيّا مميّزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب - إلّا أن بعض الخلق يستخفّ عقل من أهّله للعبادة ، ووصفه بالربوبية ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيّين - فكيف بمن جعل المعبود جمادا لا يسمع ولا يبصر ، يعني به الصنم . ثم ثنّى ذلك بدعوته إلى الحق ، مترفّقا به ، فلم يسم أباه بالجهل المطلق ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال : إنّ معي لطائفة من العلم وشيئا منه ، وذلك علم الدلالة على سلوك الطريق ، فلا تستنكف ، وهب أنّي وإيّاك في مسير وعندي معرفة بهداية الطريق دونك ، فاتّبعني انجك من أن تضلّ . ثمّ ثلّث ذلك بتثبيطه عمّا كان عليه ونهيه ، فقال : إنّ الشيطان الذي استعصى على ربّك - وهو عدوّك وعدو أبيك آدم - هو الذي ورّطك في هذه الورطة ، وألقاك في هذه الضلالة ، وإنّما ألغى إبراهيم عليه السّلام ذكر معاداة الشّيطان آدم وذرّيته في نصيحة أبيه لأنّه لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلّا التي تختصّ باللّه ، وهي عصيانه واستكباره ، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذرّيته . ثمّ ربّع ذلك بتخويفه إيّاه سوء العاقبة ، فلم يصرّح بأنّ العقاب لا حقّ به ، ولكنه قال : إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ ، فنكّر العذاب ملاطفة لأبيه ، وصدّر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله « يا أبت » توسّلا إليه ، واستعطافا . وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه ، فإنّه قال : أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا